غانم قدوري الحمد
40
رسم المصحف
أما النص الثاني ، وهو نقش النمارة ، فقد كان نبطيا عربيا ، مع أن صاحبه ملك عربي ، وهو شاهد قبره ، غير أن الكاتب استعمل العربية مع النبطية فيه ، ويدل على أن النبطية ما تزال متغلبة على القوم في ذلك العهد ، وأنها كانت لغة الكتابة عندهم ، غير أن استعمال الألفاظ والجمل العربية بين الألفاظ والجمل النبطية يشير إلى أنهم كانوا على أبواب نهضة لغوية ، وأنهم قد شعروا بضرورة استعمال العربية في كتابتهم ، فأدخلوا تلك الألفاظ والجمل العربية في هذا النص النبطي . وقد كان هذا الاستعمال المرحلة الأولى من مراحل استعمال العربية في الكتابة بدلا من لغة النبط . وأما نص حران فهو من بين هذه النصوص النص الوحيد الذي استطاع أن يتهرب من لغة النبط ، وأن يكتب بلغة عربية شمالية قريبة من اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ، أو هي نفسها ، وهو من هذه الناحية ذو أهمية كبيرة ، لأنه النص الجاهلي الوحيد الذي وصل إلينا بهذه اللغة ، وكان يمثل تطورا في لغة الكتابة عند العرب الشماليين ، ولأنه أقرب النصوص من حيث رسم الحروف إلى الكتابات العربية الإسلامية التي تعود إلى القرن الأوّل للهجرة ، فهو مهم من هذه الناحية أيضا ، لأنه يربط بين أقدم الخطوط الإسلامية وبين الخط العربي الجاهلي . وق قام الأستاذ خليل يحيى نامي بدراسة تحليلية لحروف الكتابة النبطية ، عبر الكثير من النقوش التي ترجع إلى قرون مختلفة ، متتبعا صور الحروف وتطورها ، منذ أقدم الكتابات النبطية حتى أخذت شكلها الأخير في الكتابات العربية الجاهلية « 1 » . بما لا يدع مجالا للشك في انحدار الكتابة العربية من النبطية التي تطورت عن الكتابة الآرامية قبل عدة قرون من ذلك . وقد كانت هناك جملة عوامل ساعدت على ذلك التطور ، منها أن النبط الذين استخدموا الكتابة الآرامية لم يكونوا آراميين « 2 » . وربما تكون هنالك عوامل أخرى ساعدت على ذلك ، مثل ضعف وقوة يد الكاتب الذي حفر تلك الكتابات على مواد صلبة ، كذلك مراعاة السهولة والسرعة في الكتابة ، وتأثر الكتاب بالأقلام الأجنبية ،
--> ( 1 ) انظر : خليل يحيى نامي ، ( ص 26 - 84 ) . ( 2 ) - Diringer . P . 210 .